سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

292

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

تلائم أثرها في النفس ، ورب أصل من أصول الخير وقاعدة من قواعد الكمال إذا عرضت على الأنفس في تعليم أو تبليغ شرع يقع فيها الاشتباه على السامع فتلتبس عليه بما ليس من قبيلها أو تصادف عنده بعض الصفات الرديئة والاعتقادات الباطلة ، فيعلق بها عند الاعتقاد شيء مما تصادفه ، وفي كلا الحالين يتغير وجهها ويختلف أثرها وربما تتبعها عقائد فاسدة مبنية على الخطأ في الفهم ، أو على خبث في الاستعداد فتنشأ عنها أعمال خير صالحة وذلك على غير علم من المعتقد ، كيف اعتقد ولا كيف يصرفه اعتقاده ، والمغرور بالظواهر يظن أن تلك الأعمال إنما نشأت عن الاعتقاد بذلك الأصل وتلك القاعدة ومن مثل هذا الانحراف في الفهم ، وقع التحريف والتبديل في بعض أصول الأديان غالبا ، بل هو علة البدع في كل دين على الأغلب وكثيرا ما كان هذا الانحراف وما يتبعه من البدع منشأ لفساد الطباع وقبائح الأعمال ، حتى أفضى بمن ابتلاهم اللَّه به إلى الهلاك وبئس المصير ، وهذا ما يحمل بعض من لا خبرة لهم على الطعن في دين من الأديان أو عقيدة من العقائد الحقة استنادا إلى أعمال بعض السذج المنتسبين إلى ذلك الدين أو العقيدة . من ذلك عقيدة « القضاء والقدر » التي تعد من أصول العقائد في الديانة الإسلامية الحقة ، كثر فيها لغط المغفلين من الإفرنج وظنوا بها الظنون وزعموا أنها ما تمكنت من نفوس قوم إلا وسلبتهم الهمة والقوة وحكّمت فيهم الضعف والضعة ورموا المسلمين بصفات ونسبوا إليهم أطوارا ثم حصروا علتها في الاعتقاد « بالقدر » فقالوا إن المسلمين في فقر وفاقة وتأخر في القوى الحربية والسياسية عن سائر الأمم ، وقد فشى فيهم فساد الأخلاق فكثر الكذب والنفاق والخيانة والتحاقد والتباغض وتفرقت كلمتهم وجهلوا أحوالهم الحاضرة والمستقبلة وغفلوا عما يضرهم وما ينفعهم وقنعوا بحياة يأكلون فيها ويشربون وينامون ثم لا ينافسون غيرهم في فضيلة ، ولكن متى أمكن لأحدهم أن يضر أخاه لا يقصر بل يسرع في إلحاق الضرر به ، فجعلوا بأسهم بينهم والأمم من ورائهم تبتلعهم لقمة بعد أخرى ، رضوا بكل عارض واستعدوا لقبول كل حادث وركنوا إلى السكون في كور بيوتهم ، يسرحون في مرعاهم ثم يعودون إلى مأواهم ، الأمراء فيهم يقطعون أزمنتهم في اللهو واللعب ومعاطاة الشهوات ، وعليهم فروض وواجبات تستغرق أعمارهم في أدائها ولا يؤدون منها شيئاً ، يصرفون أموالهم فيما يقطعون به زمانهم إسرافا وتبذيرا ، نفقاتهم واسعة ولكن لا